المقريزي

237

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وورد واديها ومنحناها ، وندى ندّها وتمر حناها ، وآس آسها ، وطبيب طيب أنفاسها ، وتبرّجها بأترجّها وتبهرجها بنارنجها ، وتختّمها بمختّمها ، وتبسّمها عن بلسمها ، وتشقّق أبرادها عن نهود أكبادها ، وتضاعف أرجها بمضعّف بنفسجها ، وجلالة مقدارها إذا فتحت أزرارها عن جلاجل « a » نارها ، وطيب شميمها من أشمونها ، ونسيمها ووسمها بأوسيمها ، وجنان قليوبها ، وجريان قليبها ، وأحواضها ببهتينها ورياضها ، وطرّتها بمطريّتها ، ونفيس أنسها بمقسها ، وغريب غرسها ببلقسها ، وعظيم آسها بمحلّق مقياسها . وكريم تحيّتها من قبل اليمن هبوب أنفاسها ، واجتماع أسعدها ، وارتفاع رصدها ، وسواقيها الحنّانة في سجعها الفتّانة « b » بسكبها من دمعها ، وجنّة لوقها ، ولجّة بولاقها ، وبركة فيلها من بركة نيلها ، وجزيرة ذهبها ، وقلعة الجزيرة بذهبها من عجبها . حكت فلكها في بحرها ، وأحكمت مملكتها ببرّها ، وعظم جللها بقلعة جبلها ، واعتلاء أعلامها ببناء أهرامها . وإذا نظرت إلى سعود صعودها إلى سعيد صعيدها ، واغتباطها بانحطاطها إلى صوب سكندريتها ودمياطها ، ألهتك عن حسن الثّريّا ومناطها . ولا تنس الجواري المنشآت في البحر كالأعلام ، التي تسبق عند طياب الرّياح مفوقات السّهام ، وإعجابها بغربانها البحرية ، وحرّاقاتها الحربيّة ، وشوانيها وهول مبانيها ، وجلال شكلها وجمال معانيها : تبدو موشّاة بالنّضار الأحمر ، منقّشة باللون الأفخر ، فهي كالأرقم المنمّر ، أو كمتلوّن الثّمر ، أو الطاووس الذّكر ، أو النّاووس البنّي الأصفر ، معمّرة ببأس الحديد والأحجار ، محمولة على سيح الماء التّيّار ، مشحونة بالرّجال ، منصورة عند القتال ، مصونة بالمجن والنّبال ، تبرز مذكّرة بالآية النّوحيّة ، وتضمن إحراز الهمّة العليّة الفتحيّة . حصون أمنع من أعزّ قلاع ، تطير إذا فتح لها جناح القلاع ، فتسبق وفد الرّيح عند الإسراع ، وتفوق سرعة السّحاب عند الاتّساع ، فهنّ مع العقبان في النّيق حوّم ، وهنّ مع البنيان في البحر عوّم ، لو أقسم من رآها ، ولو قال مشاهد

--> ( a ) بولاق : جل . ( b ) بولاق : الهتانة .